فصل: الخبر عن منازلة الطاغية الجزيرة ثم تغلبه عليها بعد أن غلب على القلعة من ثغور ابن الأحمر:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ ابن خلدون المسمى بـ «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» (نسخة منقحة)



.الخبر عن واقعة الملند والظفر به وظهور أساطيل المسلمين على أسطول النصارى:

لما بلغ الخبر إلى السلطان باستشهاد ابنه أخرج وزارءه إلى السواحل لتجهيز الأساطيل وفتح ديوان العطاء واعترض الجنود وأزاح عللهم واستنفر أهل المغرب وارتحل إلى سبتة ليباشر أحوال الجهاد وتسامعت أمم النصرانية بذلك فاستعدوا للدفاع وأخرج الطاغية أسطوله إلى الزقاق ليمنع السلطان من الإجازة واستحث السلطان أساطيل المسلمين من مراسي العدوة وبعث إلى الموحدين بتجهيز أسطولهم إليه فعقدوا عليه لزيد بن فرحون قائد أسطول يحاية من صنائع دولتهم ووافى سبتة في ستة عشر من أساطيل إفريقية كان من طرابلس وقابس وجربة وتونس وبونة وبجاية وتوافت أساطيل المغربين بمرسى سبتة تناهز المائة وعقد السلطان عليها لمحمد بن علي العزفي الذي كان صاحب سبتة يوم فتحها وأمره بمناجزة أسطول النصارى بالزقاق وقد اكتمل عديدهم وعدتهم فاستلأموا وتظاهروا في السلاح وزحفوا إلى أسطول النصارى وتواقفوا مليا ثم قربوا الأساطيل بعضها إلى بعض وقرنوها للمصاف فلم يمض إلا كلا ولا حتى هبت ريح النصر وأظفر الله المسلمين بعدوهم وخالطوهم في أساطيلهم واستلحموهم هبرا بالسيوف وطعنا بالرماح وألقوا أشلاءهم في اليم وقتلوا قائدهم الملند واستاقوا أساطيلهم مجنوبة إلى مرسى سبتة فبرز الناس لمشاهدتها وطيف بكثير من رؤسهم في جوانب البلد ونظمت أصفاد الأسرى بدار الانشاء وعظم الفتح وجلس السلطان للتهنئة وأنشدت الشعراء بين يديه وكان يوما من أعز الأيام والمنة لله.

.الخبر عن واقعة طريف وتمحيص المسلمين:

لما ظفر المسلمون بأسطول النصارى وخضدوا شوكتهم عن ممانعة الجواز شرع السلطان في إجازة العساكر الغزاة من المطوعة والمرتزقة وانتظمت الأساطيل سلسلة واحدة من العدوة إلى العدوة ولما استكمل إجازة العساكر أجاز هو في أسطوله مع خاصته وحشمه آخر سنة أربعين وسبعمائة ونزل بساحة طريف وأناخ بعساكره عليها واضطرب معسكره بفنائها وبدأ بمنازلتها ووافاه سلطان الأندلس أبو الحجاج ابن السلطان أبي الوليد بعسكر الأندلس من غزاة زناتة وحامية الثغور ورجل البدو فعسكروا حذاء معسكره وأحاطوا بطريف نطاقا واحدا وأنزلوا بهم أنواع القتال ونصبوا عليها الآلات وجهز الطاغية أسطولا آخر اعترض به الزقاق لقطع المرافق عن المعسكر وطال ثواؤهم بمكانهم من حصار البلد ففنيت أزودتهم وافتقدوا العلوفات فوهن الظهر واختلت أحوال المعسكر واحتشد الطاغية أمم النصرانية وظاهره البرتقال صاحب أشبونة وغرب الأندلس فجاء معه في قومه وزحف إليهم لستة أشهر من نزولهم ولما قرب معسكرهم سرب إلى طريف جيشا من النصارى أكمنه بها فدخلوه ليلا على حين غفلة من العسس الذي أرصد لهم وأحسوا بهم آخر ليلتهم فثاروا بهم من مراصدهم وأدركوا أعقابهم قبل دخول البلد فقتلوا منهم عددا ولبسوا على السلطان بأنه لم يدخل البلد سواهم حذرا من سطوته وزحف الطاغية من الغد في جموعه وعبى السلطان مواكب المسلمين صفوفا وتزاحفوا ولما نشب الحرب برز الجيش الكمين من البلد وخالفوهم إلى المعسكر وعمدوا إلى فسطاط السلطان ودافعهم عنه الناشبة الذين أعدوا لحراسته فاستلحموهم ثم دافعهم النساء عن أنفسهن فقتلوهن وخلصوا إلى حظايا السلطان: عائشة بنت عمه أبي يحيى بن يعقوب وفاطمة بنت مولانا السلطان أبي يحيى ملك إفريقية وغيرهما من حظاياه فقتلوهن واستلبوهن وانتهبوا سائر الفساطيط وأضرموا المعسكر نارا وأحس المسلمون بما وراءهم في معسكرهم فاختل مصافهم وارتدوا على أعقابهم بعد أن كان ابن السلطان صمم في طائفة من قومه وذويه حتى خالطهم في صفوفهم فأحاطوا به وتقبضوا عليه وولى السلطان متحيزا إلى فئة المسلمين واستشهد كثير من الغزاة ووصل الطاغية إلى فسطاط السلطان من المحلة وأنكر قتل النساء والولدان ووقف منه لمنتهى أثره وانكفأ راجعا إلى بلاده ولحق ابن الأحمر بغرناطة وخلص السلطان إلى الجزيرة ثم إلى الجبل ثم ركب السفين إلى سبتة في ليله ومحص الله المسلمين وأجزل ثوابهم وأرجأ لهم الكرة على عدوهم.

.الخبر عن منازلة الطاغية الجزيرة ثم تغلبه عليها بعد أن غلب على القلعة من ثغور ابن الأحمر:

لما رجع الطاغية من طريف استأسد على المسلمين بالأندلس وطمع في التهامهم وجمع عساكر النصرانية ونازل قلعة بني سعيد ثغر غرناطة وعلى مرحلة منها وجمع الآلات والأيدي على حصارها واشتد مخنقها وأصابهم الجهد من العطش فنزلوا على حكمه سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة وأدال الله الطيب منها بالخبيث وانصرف إلى بلده وكان السلطان أبو الحسن لما أجاز إلى سبتة أخذ نفسه بالعودة إلى الجهاد لرجع الكرة وبعث في الأمصار للاستنفار وأخرج قواده إلى سواحل البحر لتجهيز الأساطيل حتى اكتمل له منها عدد ثم ارتحل إلى سبتة لمشارفتها وقدم عساكره إلى العدوة مع وزيره عسكر بن تاحضريت وبعث على الجزيرة محمد بن العباس بن تاحضريت من قرابة الوزير وبعث إليها مددا من العسكر مع موسى بن إبراهيم اليرنياني من المرشحين للوازرة ببابه وبلغ الطاغية خبره فجهز أسطوله وأجراه إلى بحر الزقاق لمدافعته وتلاقت الأساطيل ومحص الله المسلمين واستشهد منهم أعاد وتغلب أسطول الطاغية على بحر الزقاق وملكوه دون المسلمين وأقبل الطاغية من إشبيلية في عساكر النصرانية حتى أناخ بها على الجزيرة الخضراء مرفأ أساطيل المسلمين وفرضة المجاز وأمل أن ينظمها في مملكته مع جارتها طريف وحشد الفعلة والصناع للآلات وجمع الأيدي عليها وطاولها الحصار واتخذ أهل المعسكر بيوتا من الخشب للمطاولة وجاء السلطان أبو الحجاج بعساكر الأندلس فنزل قبالة الطاغية بظاهر جبل الفتح في سبيل الممانعة وأقام السلطان أبو الحسن بمكانه من سبتة ليسرب عليها المدد من الفرسان والمال والزرع في أحايين الفعلة من أساطيلهم وتحت جناح الليل فلم يغنهم ذلك واشتد عليهم الحصار وأصابهم الجهد وأجاز إليه السلطان أبو الحجاج يفاوضه في شأن السلم مع الطاغية بعد إذن الطاغية له في الإجازة مكرا به وترصد له بعض الأساطيل في طريقه فصدقهم المسلمون القتال وخلصوا إلى الساحل بعد غص الريق وضاقت أحوال الجزيرة ومن كان بها من عساكر السلطان وسألوا من الطاغية الأمان على أن ينزلوا عن البلد فبذله وخرجوا فوفى لهم وأجازوا إلى المغرب سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة فأنزلهم السلطان ببلاده على خير نزل ولقاهم من المبرة والكرامة ما أعاضهم مما فاتهم وخلع عليهم وحملهم وأجازهم بما تحدث به الناس وتقبض على وزيره عسكر بن تاحضريت عقوبة على تقصيره في المدافعة مع تمكنه منها بما كان لديه من العساكر وانكفأ السلطان إلى حضرته موقنا بظهور أمر الله وإنجاز وعده في رجوع الكرة وعلو الدين والله متم نوره ولو كره الكافرون.